فخر الدين الرازي
134
القضاء والقدر
لأفعالهم وموجدين لها ، لما جاز توبيخهم عليها . سلمنا : أن هذه الآية ليست حجة عليكم . لكن لا نسلم أنها حجة لكم . أما قوله : « إن كلمة « ما » مع ما بعده في تقدير المصدر » قلنا : هذا ممنوع . وبيانه : أن « سيبويه » « 1 » و « الأخفش » « 2 » اختلفا في أنه هل يجوز أن يقال : أعجبني ما قمت . أي قيامك ؟ فجوزه « سيبويه » ومنعه « الأخفش » « 3 » وزعم : أن هذا لا يجوز إلا في الفعل المتعدي . وذلك يدل على أن « ما » مع ما بعده في تقدير المفعول عند « الأخفش » . سلمنا : أن ذلك قد يكون بمعنى المصدر ، لكنه أيضا قد يكون بمعنى المفعول . ويدل عليه وجوه : الأول : قوله : أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ؟ والمراد بقوله : ما تَنْحِتُونَ المنحوت . لا النحت ، لأنهم ما عبدوا النحت ، وإنما عبدوا الأصنام المنحوتة . الثاني : قوله : فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ « 4 » وليس المراد بها أنها تلقفت نفس الإفك . بل أراد العصى والحبال التي كانت أسبابا لترويج ذلك الإفك . الثالث : إن العرب يسمون محل العمل عملا . يقال في الثياب والخاتم . هذا عمل فلان . والمراد : محل عمله . فثبت بهذه الوجوه الثلاثة : أن « ما » مع ما بعده ، كما يجيء بمعنى المصدر فقد يجيء بمعنى المفعول . فلم يكن حمله هاهنا على المصدر ، أولى من حمله على المفعول . بل نقول : حمله هاهنا
--> ( 1 ) سيبويه هو عمرو بن قنبر . وسيبويه تعني بالفارسية رائحة التفاح . إمام النحاة واللغويين . أخذ النحو عن الخليل بن أحمد الفراهيدي ، ويونس بن حبيب ، واللغة عن أبي الخطاب الأخفش وعيسى بن عمر . ورد بغداد وناظر بها الكسائي وتعصبوا عليه وجعلوا فيما روي للعرب جعلا حتى وافقوه على خلافه . صنف « الكتاب » في النحو . كان دستورا للنحاة فيما بعد . ولم يسبقه أحد لمثله قبله . توفي سنة 180 ه راجع : الفهرست لابن النديم ص 57 ، وفيات الأعيان لابن خلكان 1 / 487 ؛ معجم الأدباء لياقوت الحموي 16 / 114 ؛ البداية والنهاية لابن كثير 10 / 176 إنباه الرواة على أنباء النحاة للقفطي 2 / 346 ؛ النجوم الزاهرة 2 / 99 ؛ نفح الطيب للمقري 2 / 387 ؛ مرآة الجنان لليافعي 1 / 245 ؛ معجم المؤلفين لكحالة 8 / 10 ؛ هدية العارفين للبغدادي 1 / 802 ، مفتاح السعادة لطاش كبرى زادة 1 / 146 . ( 2 ) هو أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء البلخي . المعروف بالأخفش الأوسط . نحوي لغوي عروضي . أخذ عن سيبويه والخليل بن أحمد . من تصانيفه : الأوسط في النحو ، معاني القرآن ، الاشتقاق ، العروض ، والمقاييس في النحو . توفي سنة 215 ه . أنظر : وفيات الأعيان 1 / 261 ؛ معجم الأدباء 11 / 220 ؛ البداية والنهاية 10 / 293 ؛ إنباه الرواة 2 / 36 ، شذرات الذهب 2 / 36 ، مفتاح السعادة 1 / 150 ؛ ومعجم المؤلفين 4 / 231 . ( 3 ) حكى السيوطي هذا الخلاف في « همع الهوامع » فقال : ما - مصدرية - خلافا لقوم منهم المبرد والمازني والسهيلي وابن السراج والأخفش في قولهم إنها اسم مفتقرة إلى ضمير وأنك إذا قلت : يعجبني ما قمت فتقديره القيام الذي قمته . وعلى رأي الجمهور إنما توصل بفعل متصرف غير أمر والأكثر كونه ماضيا نحو ( بما رحبت ) . ومن المضارع ( لما تصنف ألسنتكم ) . . . » ( 1 / 81 ) . ( 4 ) سورة الأعراف الآية 117 .